محمود أبو رية

77

شيخ المضيرة أبو هريرة

فضله فيسأله اعطاءه أو منعه " ( 1 ) . وبديهي أنه صلوات الله عليه بعد أن عيل صبره لم ير مناصا من التفكير في اقصائه عن المدينة ليتخلص منه ، وليريح الناس من ملاحقته إياهم ، إذ لا يصح أن يكون بين أصحابه ، ومن يعيشون بجواره ، من لم يحمل نفسا أبية عفيفة قانعة . ومما نزيده توكيدا لذلك وتأييدا أن كثيرا من أهل الصفة الذين كان يعيش بينهم لم يفعل واحد منهم مثل ما فعل ، فيخرج منها ليستطعم الناس مهما بلغ به الجوع ، بل كان كثير منهم لا يرضون بعيشتهم فيها ، ولا يطيقون المقام بها ، ويهتبلون الفرص لمغادرتها ، يضربون في الأرض ، ويأكلون بسعيهم من رزق الله . أما أبو هريرة فقد أخلد إليها ، لا يريم عنها ثم كان ( وحده ) من دون إخوانه جميعا لا ينتظر حتى يأتيه طعامه مما يجود به النبي أو غيره من الصحابة ، بل كان يخرج من الصفة ليتكفف الناس ، وهذه صفه لا تقبلها نفس كريمة ولا يرضى عنها النبي ( ص ) بل يمقتها مقتا شديدا ، لأنه يريد من أصحابه وسائر من يتبعونه أن يكونوا شرفاء النفس متردين برداء العفة ، لا يعيشون من فضلات الناس ، وإنما يأكلون من كسب أيديهم ولو أن يحتطبوا ، لأن هذه الفضلات إن هي إلا أوساخ . ومما يجب ملاحظته هنا ، أن من المستحيل أن يأتي رجل من مكان سحيق ليخدم آخر متطوعا بغير أجر إلا أن يملا بطنه ، ثم يكون الطرد جزاؤه ! إن هذا لمما تأباه كل نفس كريمة وبخاصة - عند العرب - فما بالك إذا كان ذلك من النبي صاحب الخلق العظيم ، والذي أتى إلى الناس بمكارم الأخلاق . وإذا كان ذلك مما لا يصدقه أحد ، ولا يسلم به عاقل ، فإن الذي يقضى به العقل الصريح ، ويحكم به المنطق الصحيح ، أن النبي ( ص ) لم يخرج أبا هريرة من المدينة إلا لأسباب قوية ، لا يمكن الصفح عنها ، أو التسمح فيها !

--> ( 1 ) رواه أحمد والشيخان .